وقد شرحت هذه المسألة في قول الله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ . .} [التوبة: 128] يعني: من جنسكم ، ومن نوعكم ، ومن قبيلتكم ، ليس غريباً عنكم وهو معروف لكم: سلوكه وسيرته وخُلقه ، وإذا لم تُجرِّبوا عليه الكذب مع الخَلْق ، أتتصورون منه أنْ يكذب على الخالق؟
وهل رسول الله في أول بعثته لَمَّا أخبر الناس أنه رسول الله جاء القرآن ليحمل الناس على الإيمان به؟ لا ، إنما جاء ليتحدى مَنْ لم يؤمن ، أما مَنْ آمن بداية ، بمجرد أنْ قال محمد: أنا رسول الله قال: صدقت ، وأنه لم يكذب أبداً ؛ لذلك كان المقياس عند الصحابة أن يقول رسول الله ، فإنْ قال فالمسألة منتهية لأنه صادق لا يشكّ أحد منهم في صِدْقه .
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال أبو بكر في مسالة الإسراء والمعراج: إنْ كان قال فقد صدق ، يحملها رسول الله تقديراً لأبي بكر ويقول:"كنت أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسَيْ رهان"يعني: في الخُلُق الطيب والسلوك السَّويِّ"فسبقتُه للنبوة فاتبعني ، ولو سبقني هو لاتبعتُه".
"ولما نزل جبريل - عليه السلام - على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الوحي فأجهده ، فذهب إلى السيدة خديجة - رضي الله عنها - وحكى لها ما حدث له كأنه يستفهم منها عَمَّا حدث ولم يخبرها أنه رسول من عند الله ، ومع ذلك أخذته إلى ورقة بن نوفل ، وكان على علم بالكتب السابقة ، فلما سمع ورقة بن نوفل ما حدث قال: إنه الناموس الذي كان ينزل على موسى وليتني أكون حياً إذ يُخرجك قومك ، فقال صلى الله عليه وسلم:"أَوَمُخرجِيّ هم؟"قال:"ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عُودِي ، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً"."