وبعد ذلك كله تقولون: {لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] يبدو أنكم ألِفْتم العبودية للعظماء وللجبابرة ، ألِفتم العبودية لغير الله ، وعَزَّ عليكم أن يحرركم الله من هذه العبودية على يد رجل منكسر فقير منكم ، جاء ليصلحكم ويخرجكم من العبودية للمخلوق إلى العبودية للخالق عز وجل .
ألم يقُلْ أحد رؤوس الكفر عن القرآن:"والله إن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو ولا يُعْلى عليه".
إذن: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول . .} [المؤمنون: 68] توبيخ ، لأنهم فهموا القرآن ، لكن حسدوا محمداً صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه ، وأن ينال دونهم هذه المكانة ، كما قال سبحانه: {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ . .} [النساء: 54] .
الأمر الثاني: {أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين} [المؤمنون: 68] يعني: جاءهم أمر غريب لا عهدَ لهم به ، وهو أن يأتي رسول من عند الله ، وهذه المسألة معروفة لهم ، فمنهم إبراهيم عليه السلام ، ومنهم إسماعيل وهم مؤمنون بهما ، إذن: ليست مسألة عجيبة ، بل يعرفونها جيداً ، لكن ما منعهم في الأولى منعهم في هذه ، إنه الحسد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك يقول تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله . .} [الزخرف: 87] .
الأمر الثالث: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون: 69] .
يعني: أنزَلَ عليهم رسولٌ من السماء لا يعرفون سيرته وخُلقه ونسبه ومسلكه قبل أنْ يُبعث؟ إنهم يعرفونه جيداً ، وقبل بعثته سَمَّوْه"الصادق الأمين"وارتضَوْا حكومته بينهم في مسألة الحجر الأسود ، وكانوا يأتمنونه على ودائعهم ونفائس أموالهم ، ولم يجربوا عليه كذباً أوخيانة أو سَقْطة من سقطات الجاهلية .