ثم يقول سبحانه: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63] يعني الأمر لا يتوقف بهم عند مسألة العقائد ، إنما لهم أعمال أخرى كثيرة سيقعون فيها ، فالحق سبحانه لا يذكر لهم إلا قمم المخالفات ونماذج منها ، إنما في علمه تعالى وفي لوحه المحفوظ أنهم سيفعلون كذا ويفعلون كذا ، وإنْ كانوا هم أنفسهم لا يعلمون أن ذلك سيحدث منهم لكن ربهم - عز وجل - يعلم بطلاقة القدرة ما كان وما سيكون .
ومن عجائب قدرة الله أنه سبحانه يحكم على عبده الكافر أنه سيعمل كذا وكذا ، ومع ذلك لم يعاند أحد الكفار ، فيقول: إن الله حكم عليَّ بكذا ، ولكني لن أفعل فيكون حكم الله عليه غير صحيح ؛ لأن الحق سبحانه لا يتحكم فيما يجريه علينا فحسب ، وإنما في اختيار العبد ومراده ، مع أن العبد حُرٌّ في أن يفعل أو لا يفعل .
وهذه القضية واضحة في قوله تعالى عن أبي لهب: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سيصلى نَاراً . .} [المسد: 1 - 3] تفيد المستقبل ، فقد حكم الحق سبحانه عليه أنه سيكون في النار ، وكان أبو لهب في أمة ومَجْمع من القوم الكافرين ، ومنهم مَنْ آمن فمن يضمن أن يسمع أبو لهب هذا الحكم ومع ذلك لا يؤمن ويموت كافراً؟
ثم ألم يَكُنْ بإمكان هذا (المغفل) أن يقف على ملأ ويقول:"لا إله إلا الله محمد رسول الله"ويدخل في الإسلام ، فيكون الحكم فيه غير صحيح؟ لكن هذا كلام الله وحكمه القديم لا يُردّ ولا يخالفه أحد مهما كان أمره في يده وهو قادر على الاختيار ، هذا من طلاقة قدرة الله في فِعْله وعلى خَلْقه في أفعالهم .