فالمعنى: {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63] حكم لا يُرد ولا يُكذَّب ، حتى وإنْ أخبر به صاحبه ؛ لأن علم الله تعالى مستوعبٌ لما كان ولما سيكون ، وكأن الحق سبحانه يقول: إن طلاقة القدرة ليست فيما أفعله فحسب ، إنما يفعله غيري مِمَّنْ أعطيتُه حرية الاختيار .
ثم يقول الحق سبحانه: {حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب . .} .
يعني: بعد أن أشركوا بالله وكفروا به ، وبعد أنْ أصبحتْ قلوبهم في غمرة وعمىً إذا مسَّهم شيء من العذاب يجأرون ويصرخون ، ومَنْ ذا الذي يطيق لفحة أو رائحة من عذاب الله؟
ومعنى {أَخَذْنَا . .} [المؤمنون: 64] كلمة الأخذ لها مجال واسع في كتاب الله ، والأَخْذ: هو الاستيلاء بعنف على شيء هو لا يحبّ أنْ تستولي عليه ، والأَخْذ يُوحي بالعنف والشدة ، بحيث لا يستطيع المأخوذ الإفلات مهما حاول .
ومن ذلك قوله تعالى: {أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 42] يعني: أخذاً شديداً يتململ منه فلا يستطيع الفكاك .
وقوله: {وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة . .} [هود: 67] .
ويقول: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] .
ومعنى: {مُتْرَفِيهِمْ . .} [المؤمنون: 64] من الترف وهو التنعُّم ؛ لأن الحياة تقوم على ضروريات تستبقي الحياة وكماليات تُسعدِها وتُرفِّهها وتُثريها ، فالمتْرَف مَنْ عنده من النعيم فوق الضروريات ، يقال: ترِف الرجل يتَرف من باب فَرِح يفرح ، وأترفته النعمة إذا أطغته ، وأترفه الله يعني: وسّع عليه النعمة وزاده منها . وعلى قدر الإتراف يكون الأخذ أبلغَ والألم أشدَّ .