وسبق أن ذكرنا قول الله عز وجل: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ . .} [الأنعام: 44] يعني: من منهج الله ، لم نُضيِّق عليهم إنما: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ . .} [الأنعام: 44 - 45] .
فهنا تكون النكاية أشدّ ، والحسرة أعظم .
والكلام هنا عن كفار قريش ، فكيف أخذهم الله وهم في ترف من العيش ، حيث تصبُّ عندهم كل خيرات الجزيرة حتى عاشوا عيشة الترف والتنعم؟
أخذهم الله حال ترفهم بالقَحْط والسنين ؛ لذلك لما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أُترفوا بالنعمة وطغَوْا بها قال:"اللهم اشْدُدْ وطأتك على مُضَر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف".
واستجاب الله تعالى دعاء نبيه ، فأصابهم الجدب والقَحْط حتى أكلوا الجيف و (العِلْهز) وهو شعر الذبيحة أو وبرها المخلوط بدمها بعد أنْ جَفَّ وتجمد تحت حرارة الشمس ، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب . .} [المؤمنون: 64] .
وقوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ . .} [المؤمنون: 64] .
يصرخون ويضجّون ، فهذا أبو سفيان بعد أن أكلوا الجيف والفضلات يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ألستَ رحمةً للعالمين؟ إذن: فادْعُ الله أنْ يُفرِّج عنا ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه حتى فرج عنهم .
أو: يراد بالعذاب هنا ما حدث لهم يوم بدر ، حيث أذلَّهم الله ، فقتل منهم مَنْ قتل ، وأسر مَنْ أسر ، وانهارت سيادتهم وضاعت هيبتهم ، وقد كانوا يُعذِّبون المؤمنين ويقتلونهم ، ويقيمونهم في حَرِّ الشمس ويضعون الأحجار الكبيرة فوق بطونهم ، حتى أنزل الله تعالى في هذه الحالة القاسية التي يعانيها المؤمنون: {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45] .