فيستقبلون الآية بتعجُّب: حتى يقول عمر: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم ، فليس هناك أيّ بادرة لنصر المؤمنين ، فلما جاء يوم بدر ورأى المؤمنون ما حاق بالكافرين قال عمر نفسه: صدق الله ، سيُهزم الجمع وقد هُزِم .
وقوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون: 64] يجأر: يصرخ بصوت عالٍ ، والإنسان لا يصرخ إلا إذا كان في محنة لا تقدر أسبابه على دفعها ، فيصرخ طلباً لمن ينجده ، ويرفع صوته ليُسمِع كل مَنْ حوله ، كما يقولون (يجعر) .
والجؤار مثل الخوار يعني: يصيحون مثل العجول بعد ما كانوا رجالاً وسادة وطغاة ، فلماذا لم تظلّوا سادة ، لماذا تصرخون الآن؟ وكان المنتظر منهم في وقت الشدة أنْ يتماسكوا ، وأن يتجلّدوا حتى لا يشمت بهم العبيد والفقراء الذين آمنوا ، كما يقول الشاعر:
وتجلُّدِي للِشَّامِتينَ أُرِيهُمو ... أَنِّي لريْبِ الدهْرِ لا أتضعْضَعُ
لكن ، هيهات فقد حاق بهم العذاب ، ولن يخدعوا أنفسهم الآن ، فليس أمامهم إلا الصراخ يطلبون به المغيث والمنجي من المهالك .
ثم يقول الحق سبحانه: {لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} .
يرد عليهم الحق سبحانه: {لاَ تَجْأَرُواْ اليوم . .} [المؤمنون: 65] لأن مَنْ يجأر ينادي مَنْ ينصره وأنتم لن تُنصروا {إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} [المؤمنون: 65] لا تُنصرون من جهتنا ؛ لأني أنصر أوليائي ، وأنصر رسلي ، وأنصر مَنْ ينصرني ، فاقطعوا الظن في نصري لكم ؛ لأنني أنا الذي أنزلتُ بكم ما جعلكم تجأرون بسببه ، فكيف أزيله عنكم؟