وقيل المعنى: إنكم لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب.
ثم عدّد سبحانه عليهم قبائحهم توبيخاً لهم فقال: {قَدْ كَانَتْ ءَايَتِي تتلى عَلَيْكُمْ} أي في الدنيا ؛ وهي آيات القرآن {فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ} أي ترجعون وراءكم ، وأصل النكوص: أن يرجع القهقرى ، ومنه قول الشاعر:
زعموا أنهم على سبل الحق... وأنا نكص على الأعقاب
وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق ، وقرأ عليّ بن أبي طالب:"على أدباركم"بدل: {على أعقابكم تَنكِصُونَ} بضم الكاف ، وعلى أعقابكم متعلق {بتنكصون} أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل تنكصون {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} الضمير في: {به} راجع إلى البيت العتيق ، وقيل: للحرم ، والذي سوّغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم بولايته والقيام به ، وكانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم وخدّامه.
وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين.
وقيل: الضمير عائد إلى القرآن ، والمعنى: أن سماعه يحدث لهم كبراً وطغياناً فلا يؤمنون به.
قال ابن عطية: وهذا قول جيد.
وقال النحاس: القول الأوّل أولى وبينه بما ذكرنا.
فعلى القول الأوّل يكون {به} متعلقاً ب {مستكبرين} ، وعلى الثاني يكون متعلقاً ب {سامرا} لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون ، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه ، والسامر كالحاضر في الإطلاق على الجمع.
قال الواحدي: السامر: الجماعة يسمرون بالليل ، أي يتحدّثون ، ويجوز أن يتعلق {بِهِ} بقوله: {تَهْجُرُونَ} والهجر بالفتح: الهذيان ، أي تهذون في شأن القرآن ، ويجوز أن يكون من الهجر بالضم ، وهو الفحش.