وهذه أمور فوق ما فرض الله عليهم ، ولم يطلب منك أن تقوم الليل لا تنام ، لكن صَلِّ العشاء ونَمْ حتى الفجر ، وهذه المسألة واضحة في قوله تعالى بعدها: {وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم} [الذرايات: 19] ولم يقل (معلوم) لأن الآية لا تتكلم عن الحق المعلوم وهو الزكاة ، إنما عن الصدقة والتطوع فوق ما فرض الله .
والإبهام في {مَآ . .} [المؤمنون: 60] جاء أيضاً في قول الله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] ولم يحدد مقدار الماء الذي غشيهم ، وترك المسألة مبهمة ليكون المعنى أبلغ ، ولتذهب الظنون في هَوْلها كل مذهب .
لكن ؛ ما داموا قد أعْطوا ومدُّوا أيديهم للآخرين بالعطاء ، فلماذا يقول تعالى: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ . .} [المؤمنون: 60] .
نقول: لأن العبرة ليست بمجرد العمل ، إنما العبرة بقبول العمل ، والعمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله لا يخالطه رياء ولا سمعة ، فهم إذن يعملون ويتحرَّوْن الإخلاص وأسباب القبول ويتصدّق أحدهم بالصدقة ، بحيث لا تعلم شماله ما أنفقتْ يمينه ، ومع ذلك يخاف عدم القبول ، وهذه أيضاً من علامات الإيمان .
وكأن ربك عز وجل يَغَار عليك أنْ تعمل عملاً لا تأخذ عليه أجراً ؛ لأنك إنْ رأيت الناس في شيء من العمل تركك الله وإياهم تأخذ منهم الجزاء ، فهذا إذن جَهْد مُهْدر لا فائدة منه ، وهذه المسألة لا يرضاها لك ربك .
وفي الحديث القدسي:"الإخلاص سِرٌّ من أسراري أودعته قلب مَنْ أحببت من عبادي ، لا يطلع عليه مَلَك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده".
والوجل: انفعال قسري واضطراب يطرأ على العضو من خوف أو خشية ، والخوف شيء يخيفك أنت ، أما الخشية فهي أعلى من الخوف ، وهي أن تخاف ممن يوقع بك أذى أشد مما أنت فيه .
ومن أهل التفسير مَنْ يرى أن الآية والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ .