الافتراء: الاختلاق؛ لأنه افتعال من فرى بمعنى قطع، أي أنه قطع واشتد في اختلاق الكذب، بما قال من قول بعيد عن معقولهم وأهوائهم، وادعوا أنه افتراء الكذب على اللَّه تعالى، وهو أعظم الافتراء، (إِنْ) نافية، وبعدها الاستثناء فهو نفي وإيجاب، ومعنى ذلك أنهم قصروا حال الرسول على افتراء الكذب على اللَّه تعالى، وكأن عبارتهم فيها نوع تحقير لرسولهم، إذ يقولون: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ) من غير أن يذكروا اسمه، أو رسالته، ويحصرونه في الافتراء عليه سبحانه، ثم يردفون ذلك مؤكدين كفرهم (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) ، أي ما نحن بمذعنين لقوله ولا مصدقين به، ولتضمن الإيمان معنى الإذعان والتسليم عدي باللام، أي ما نحن بمصدقين، ولا مذعنين له.
كان كلامهم هذا إيذانا بالإيذاء، وقد هددوه، ولذا يتجه الرسول إلى من أرسله، فيطلب نصره:
(قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ(39)
اتجه الرسول، وهو أي رسول جاء بعد نوح، فهم في معاندة الكافرين لهم، والتجائهم إلى ربهم بسبب صورة واحدة تكررت في القرون التي جاءت بعده عليه
السلام، تبين طبائع بعض الناس في تلقي الحق، وتبين صبر الرسل، وبقاء العنت من أقوامهم. ونادى ربه الحافظ الكالئ الحامي، (انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) ، أي التكذيب، وما تبع التكذيب من إعنات وإيذاء، ومقاومة عنيفة آثمة، فطلب النصرة لا يكون من التكذيب المجرد، إنما يكون مما يصحبه ويكون ملازما له.
أجابه ربه بأن نصره قريب فقال له:
(قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ(40)
(عَمَّا) هنا لتأكيد القول، ولبيان القلة الزمنية التي تكون حتى ينزل عليهم عذاب اللَّه الساحق الماحق، أي عن قليل من الزمن متجاوزين عنه أي تاركين له أي قلة في غيهم يرتعون (لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِين) على كفرهم وعلى عنادهم، وصدهم عن سبيل الله بعد مقاومتهم للحق.
وقد تأكد نزول العذاب بهم بمؤكدات، فأكد أولا - بـ"مَا"، المؤكدة، وثانيا - بالقسم، وثالثا - لام القسم، ورابعا - نون التوكيد الثقيلة، وقد بين سبحانه كيف نزل بهم العذاب، فعبر عن أمر اللَّه بعذابهم بصيحة أرجفت أرضهم وديارهم، وجاءتهم بريح صرصر عاتية، فقال: