وبيان ذلك أن القول الأول هو تمثيل بين وجودين علميين ذهنيين ؛ كما سبق أن بيِّنا ذلك فِي المثل الأول. أما الثاني فهو تمثيل بين وجود علمي ذهني ، ووجود علمي خارجي. ومن الأول قوله تعالى:"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ.." (الجمعة: 5) . ومن الثاني قوله تعالى:"إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ.." (يونس: 24) .
وعلى القول الأول يحمل قوله تعالى:"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا.."، وعلى القول الثاني يحمل قوله تعالى:"أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ.."؛ لأن الغرض من المثل الأول هو تشبيه مثل المنافقين مع الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل جماعة مستوقد النار. وكلاهما معنى موجود فِي العلم والذهن. وللدلالة على هذا المعنى جيء بلفظ المثل فِي طرف كل من المشبه والمشبه به. أما الغرض من المثل الثاني فهو تشبيه مثل المنافقين مع القرآن الكريم بجماعة نزلوا فلاة ليلاً ، فأصابهم مطر شديد. والأول موجود فِي العلم والذهن ، والثاني موجود خارج الذهن. وللدلالة على هذا المعنى ، جيء بلفظ المثل فِي طرف المشبه ، دون المشبه به.. فتأمل!
ويدل على هذا الذي ذكرناه فِي المثل الثاني ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - من قوله:"كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ، فأصابهما هذا المطر ، الذي ذكر الله ، وأيقنا بالهلاك ، فقالا: ليتنا أصبحنا فنأتي محمدًا ، ونضع أيدينا فِي يده ، فأصبحا وأتياه وحسن إسلامهما ، فضرب الله ما نزل بهما مثلاً للمنافقين".