ويجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى"أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ": {أو مَثَلُهُم كَمَثَلِ صَيِّب} ، فيقدرون لفظ"مَثل"عقب كاف التشبيه. ومنهم من جعل تقديره أمرًا مسلمًا ، يقتضيه العطف على السابق. وذهب بعضهم إلى أن تقديره أوْفى فِي تأدية المعنى ، وأشدُّه ملاءمة مع المعطوف عليه..وعليه يكون أصل الكلام:"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا.. أو مثلهم كمثل صيِّب من السماء"
ثم حذِف"مَثَلُ"المقدرة عقب كاف التشبيه - كما قال الإمام الطبري - طلبَ الإيجاز والاختصار ، اكتفاءً بدلالة ما مضى من الكلام ، من إعادة ذكره.
ولكن هذه التأويل يُخلُّ بمعنى الكلام ونظمه ، ويذهب بما فيه من روعة الإعجاز. وفرق كبير بين أن يكون تقدير"مَثلٍ"عقِب كاف التشبيه أوْفى بتأدية المعنى ، وبين أن يكون مخلاًّ بالمعنى والنظم معًا. وكيف يحذف لفظ من القرآن يكون ذكره أوفى بتأدية المعنى ؟ وإذا كان الأمر كذلك ، فلمَ لمْ يذكر هذا اللفظ - هنا - كما ذكر فِي المثل الأول ؟ وهل يصلح ما قاله الإمام الطبري أن يكون جوابًا عن ذلك ؟
أما ما قاله الإمام الطبري فيصلح أن يكون جوابًا لحذف"مَثلُهُمْ"عقب"أَوْ"العاطفة ، وأما أن يكون لفظ"مَثَلٍ"مرادًا عقب الكاف ، ثم حذف طَلبَ الإيجاز والاختصار ، اكتفاء بذكره فِي المثل الأول ، فليس كذلك ؛ لأنه لا يجوز ذكره - هنا - لا لفظًا ، ولا تقديرًا.
وعلى فرض أنه مراد فِي اللفظ ، وأن أصل الكلام:"أو مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ"، فأيُّ اختصار مزعوم هذا الذي يطلب بحذفه ، وأيُّ إيجاز هذا ؟ وسيتضح لك خطأ هذا الجواب ، إذا علمت الفرق فِي المعنى بين قولنا: {مَثلُ هذا كمَثلِ هذا} ، وقولنا: {مَثلُ هذا كهذا} .