"وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ" (التوبة: 57) .
هذه الآيات وأمثالها كانت تنزل كالرعد والبرق والصواعق على المنافقين, وتتركهم فِي خوف وذعر وحيرة وقلق ، وتضعهم أمام خطر الإبادة ، أو الإخراج من المدينة فِي كل حين. ولهذا كانوا - كما قال ابن مسعود رضي الله عنه فِي رواية عنه - إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجعلون أصابعهم فِي آذانهم ؛ لئلا يسمعوا القرآن ، فضرب الله تعالى لهم هذا المثل.
والتمثيل - هنا - كما فِي التمثيل الأول مَسُوقٌ فِي تفصيل صوره وأجزائه مساق وصف قصصي - كما ترى - وهو من خصائص أمثلة القرآن ، ثم هو مبني على تشبيه مجموع حالة بمجموع حالة أخرى دون النظر إلى مقارنة ، أو تشبيه أجزاء الحالين ببعضهما.
وجمهور المفسرين على القول الأول ، وعليه يكون الصَّيِّب مثلاً للقرآن ، وما فِي الصَّيِّب من الظلمات مثلاً لمَا فِي القرآن من ذكر الكفر والنفاق ، وما فيه من الرعد مثلاً لما فِي القرآن من زجر ووعيد ، وما فيه من البرق مثلاً لما فِي القرآن من النور والحجج الباهرة ، وما فيه من الصواعق مثلاً لما فِي القرآن من تكاليف الشرع ، التي يكرهونها ؛ كالجهاد ، والصلاة ، والزكاة ، ونحو ذلك. أما جعلهم أصابعهم فِي آذانهم من الصواعق حذر الموت فهو مثل لتخوفهم وروعهم من فضح نفاقهم ، والكشف عن حقيقتهم.