وكذلك قوله تعالى:"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا.. أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ"، تقديره: مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا.. أو مثلهم كصيِّب من السماء.. فدل على أن للمنافقين حالان: حال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وحال مع القرآن الكريم. وبهذا يعلم أن الغرض من هذا التمثيل هو تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مُثِّلتْ فِي التمثيل الأول.
وعليه يكون التقسيم فِي التمثيلين لتنوع الأحوال ، لا لتنوع الأشخاص. ولهذا عطف الثاني على الأول بـ"أَوْ"الفارقة ، التي تؤذن بتساوي المثلين فِي استقلال كل منهما بوجه الشبه ، وبصحة التمثيل بكل واحد منهما ، وبهما معًا ، لا بتساويهما فِي التمثيل ، بخلاف الواو الجامعة.. يدلك على ذلك أنه لو قيل: مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا.. وكصيِّب.. لربما أوهم صحة التشبيه بمجموعهما ، لا بكل واحد منهما ، وحينئذ يعتقد أنهما مثل واحد ، لا مثلان.
وإذا كان مثل المنافقين فِي التمثيل الأول قد شبِّه بمثل الذي استوقد نارًا ، فإنه فِي هذا التمثيل قد شُبِّه بصيِّبٍ نزل من السماء ليلاً على قوم فِي مفازة ، فيه ظلمات كثيفة متراكمة ، مع رعد يقصف بالآذان ، وبرق يأخذ بالأبصار ، وصواعق يصحبها الموت والهلاك ، فلقوْا من الهول والشدَّة ما جعلهم فِي حيرة من أمرهم ، وقلق واضطراب ، وذعر وخوف ، وتيه وضلال. لا يدرون ماذا يفعلون فِي هذه الصحراء المكشوفة ، التي لا ملجأ لهم فيها ، ولا ملاذ من قصف الرعد ، الذي يهدد أسماعهم, ونور البرق ، الذي يكاد يخطف أبصارهم ، وخطر الصواعق ، الذي يهددهم فِي كل حين بتحويلهم إلى رماد ؟!