هذا مثل آخر يصَوِّر أحوال المنافقين مع القرآن الكريم ، ومواقفهم منه بصورة قوم ، أخذتهم السماء فِي ليلة شديدة المطر ، فيها ظلمات من السحب الكثيفة المتراكمة ، مع رعد يقصف بالآذان ، وبرق يأخذ بالأبصار ، وصواعق يصحبها الهلاك والموت ، فلقوْا من الهول والشدَّة ما لقَوا. وهو معطوف على المثل السابق:"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا".
والتقدير فِي العربية:"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا.. أَوْ مَثَلُهُمْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ..".أي: مثلهم كمثل هذا.. أو مثلهم كهذا. فأضمر"مَثَلُهُمْ"الثانية بعدَ"أَوْ"لدلالة"مَثَلُهُمْ"الأولى عليها. وحسَّن هذا الإضمار - هنا - العطف بـ"أَوْ"الفارقة أولاً ، واختلاف الأحوال الممَثَّلة فِي المثلين ثانيًا. ولو كان العاطف هو {الواو} ، لما حسُن هذا الإضمار ؛ لأن {الواو} تشرك بين المعطوفين فِي اللفظ والمعنى ، بخلاف {أَو} ، التي تشرك بينهما فِي اللفظ فقط.
ولهذا لا يجوز العطف هنا بـ {الواو} . والدليل على ذلك أنه لم يعطف بـ {الواو} فِي مثل هذا التركيب ، فِي موضع من المواضع ، وكل ما ورد فِي القرآن ، ورد معطوفًا بـ"أَوْ"؛ نحو قوله تعالى:
"وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ.." (النور: 39 - 40) .
تقديره: أعمالهم كسراب.. أو أعمالهم كظلمات.
وقوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ"إلى قوله:"أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا.." (البقرة: 258 - 259) .
تقديره: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم.. أو ترَ كالذي مرَّ على قرية.