هذا هو مثل المنافقين ، الذين لم يصحبهم نور الإيمان فِي الدنيا ؛ بل خرجوا منه وفارقوه ، بعد أن استضاءؤا به ، وهم يحملون أوزارهم. وهو مثل يصَوِّر تصويرًا دقيقًاأحوال أولئك المنافقين ، الذين سلكوا طريق النفاق, وظنوا أنهم قادرون بذلك على أن يحافظوا على مكانتهم ومصالحهم لدى المؤمنين والكافرين ، وأن ينضموا إلى الفئة الغالبة فِي نهاية المعركة ؛ ولكن اللّه سبحانه سرعان ما فضح نفاقهم ، وكشف عن مكنون صدورهم ، وسلبهم النور ، الذي باعوه بالضلالة ، وتركهم يتيهون بين الوحشة والحسرة فِي ظلمات ، لا خروج لهم منها ما داموا على هذه الحال!
ومن أظهر الأدلة على أن المراد بهذا المثل المنافقون أن الله تعالى قال هنا فِي حقهم:"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ" (البقرة: 18) ، فسلب الرجوع عنهم ؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا ، وفارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به ، واستناروا بنوره ، فهم لا يرجعون إليه ، ما داموا على هذه الحال. وقال تعالى فِي حق الكافرين:"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ" (البقرة: 171) ، فسلب العقل عن الكافرين ؛ لأنهم لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان. وقال عنهم فِي آية أخرى:"إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" (الأنفال: 22) .
المثل الثاني: مثل المنافقين فِي القرآن ومع القرآن
"أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة: 19 - 20)