وقيل: قدِّم الصَّمَم ؛ لأنه إذا كان خَلقيًا يستلزم البَكَم ، وأخِّر العمَى ؛ لأنه - كما قيل - شامل لعمى القلب الحاصل من طرق المبصرات والحواس الظاهرة ، وهو بهذا المعنى متأخر ؛ لأنه معقول صِرْف ، ولو توسَّط ، حلَّ بين العصا ولحائها. ولو قدِّم ، لأوهِم تعلقه بقوله:"لا يُبْصِرُونَ".
وأما قوله تعالى:"فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ"فقيل: المراد به: أنهم لا يرجعون إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها. وكلاهما مبنيٌّ على أن وجه التشبيه فِي التمثيل مستنبط من قوله تعالى:"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى" (البقرة: 16) .
والصواب - على ما قيل - أن المراد به: أنهم لا يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه ما داموا على هذه الحال ، على تقدير أن يكون من"ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ"بأن يراد به: أنهم غِبَّ الإضاءة خبطوا فِي ظلمة ، وتورطوا فِي حيرة. فالمراد هنا: أنهم بمنزلة المتحيرين ، الذين بقوا جامدين فِي مكانهم ، لا يبرحون ، ولا يدرون: أيتقدمون ، أم يتأخرون ؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه ، والأعمى لا ينظر طريقًا ، والأبكم لا يسأل عنها ، والأصم لا يسمع صوتًا من صوب مرجعه ، فيهتدي به. أما الفاء فِي قوله تعالى:"فَهُمْ"فهي للدلالة على أن اتصافهمبما تقدم سبب لتحيرهم واحتباسهم ، كيفما كانوا.