وقيل: الآية هي تتمَّة للتمثيل ، وتكميل له بأن ما أصابهم ليس مجرد ذهاب نورهم ، وبقائهم فِي ظلمات كثيفة هائلة ، مع بقاء حاسة البصر بحالها ؛ بل اختلت مشاعرهم جميعًا ، واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه ، أو على الحقيقة ؛ إذ لا يبعد - كما قيل - فقد الحواس ممن وقع فِي ظلمات مخوفة هائلة ؛ إذ ربما يؤدي ذلك إلى الموت ، فضلاًعن ذلك.
ويؤيد كونها تتمة للتمثيل ، وتكميلاً له قراءة ابنمسعود ، وحفصة أم المؤمنين ، رضي الله تعالى عنهما:"صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ"بالنصب. ونصبُه من وجهين: أحدهما: على معنى: تركهم صمّاً بكمًا عميًا. والثاني: على معنى الذم ، فيكون كلامًا مستأنفًا. والعرب تنصب بالذمِّ وبالمدح ؛ لأن فيه مع الأسماء مثل معنى قولهم: وَيْلاً له ، وثَوَابًا له, وبُعْدًا وسَقْيًا ورَعْيًا.
ومثله على القراءتين قوله تعالى:"إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ"إلى قوله تعالى:"وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة: 111) . ثم قال جل وجهه:"التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحامِدُونَ.."، بالرفع فِي قراءة الجمهور ، وفى قراءة عبد الله بن مسعود:"التَّائِبُينَ الْعَابِدُينَ الْحامِدُينَ.." (التوبة: 112) .
وكان ظاهر الكلام يقتضي أن يكون ترتيب هذه الصفات هكذا:"عميٌ ، بكمٌ ، صمٌّ"- كما فِي قوله تعالى:"وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً" (الإسراء: 97) - ولكن جاء ترتيبها ، على وفق حال المُمَثَّل له ، خلافًا للظاهر:"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ"؛ لأنه يسمع أولا دعوة الحقِّ ، ثم يجيب ويعترف ، ثم يتأمَّل ويتبصَّر.