* مقارنة سريعة:
ولنا أن نقارن بين صورة المجاز فِي هذه الآية . وبين صوره فِي آية"البقرة".
فالحال هنا هو الحال هناك: كفر وعناد ، وهناك ختم على القلوب والأسماع ، وغشاوة على الأبصار ، وهنا - كذلك ختم وغشاوة . فالآيتان متفقتان فِي رسم الإطار العام للمعنى مختلفتان فِي دقائق التعبير.
ففى آية"البقرة"القلوب مقدمة على السمع . وهنا السمع مقدم على
القلب . وهنا أيضاً تصريح بنسبة جعل الغشاوة على البصر ، وهناك ترك لذلك التصريح اكتفاءً بذكر الجار والمجرور.
فما السر إذن ؟
لعل السر فِي ذلك أن فِي آية"البقرة"مجرد إخبار عن حال الكافرين عامة
فهم لا تثمر فيهم بشارة ولا يخيفهم إنذار . .
من أجل ذلك لم يهئ الله لهم أسباب الهداية . لعدم استعدادهم لذلك .
أما فِي آية"الجاثية"فعرض لنموذج معيَّن فريد من جنسه ، وقصد إلى
نوع ألد خصومة وأبعد ضلالاً ، يشعر بذلك أن صدر الآية فيه لفت قوى إلى
تأمل حال هذا النوع: (أفَرَأيْتَ مَنِ اتخَذَ إلهَهُ هَواهُ) . . هذه واحدة.
(وَأضَلهُ اللهُ عَلى عِلم) . . وهذه ثانية.
(وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلبِهِ) . . وهذه ثالثة.
(وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) . . وهذه رابعة.
فهو لانغماسه فِي هواه لم يعر دعوة الحق أدنى اهتمام ، فهو عنها فِي صمم ،
فجدير بقلبه أن يُختم ما دام لم يصل إليه عن طريق السمع توجيه مفيد ، فلم
يسمع ، ولم يع ، ولم ير شيئاً غير شهواته وملاهيه.
وقال فِي سورة الأنعام: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) . .