أما الأبصار فحيث لم يهتدوا إلى الصواب عن طريقها وعموا عن الدلائل والآيات . فقد عبَّر عن هذا بالغشاء الذي يُجعل على الأبصار فيحجب عنها الرؤية الصحيحة.
يقول الزمخشري موجهاً ذلك:"فالختم والكتم أخوان . لأن فِي الاستيثاق"
من الشيء بضرب الخاتم عليه . كتمانه وتغطيه لئلا يتوصل إليه ولا يطلع
عليه"."
"والغشاوة: الغطاء - فعالة من غشاة إذا غطاه - فإن قلت: ما معنى"
الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار ؟.
قلت: لا ختم ولا تغشية ثَمَّ على الحقيقة.
وإنما هو من باب المجاز . ويُحتمل أن يكون من كِلا نوعيه.
وهما الاستعارة والتمثيل"."
وحاصل كلامه أن لنا اعتبارين فِي تحليل هذا المجاز.
إما أن نعتبر الختم والتغشية كُلا منهما استعارة مفرد لفرد . على طريق
التصريحية التبعية فِي الختم والتصريحية الأصلية فِي التغشية.
وإما أن نعتبر الكلام كله . استعارة تمثيلية لهيئة بهيئة . وكلا المعنيين حسن.
وإن كان الذوق يميل إلى اعتبار المجاز المفرد فيها دون المركب.
وقد أبى الزمخشري إسناد الختم إلى"الله"على الحقيقة . متأثراً بمذهبه
الاعتزالى الذي لا يجيز إسناد أفعال القُبح إلى الله . ولذلك جعله من المجاز
العقلي . والفاعل الأصلى هو الشيطان ، أما إسناده إلى"الله"فلأنه أقدر
الشيطان عليه . والعلاقة - إذن - هي السببية.
وقد رأى هذا الرأي فِي غير هذا الموضع.
وقد تناول القرآن هذه الحواس الثلاث:"القلوب - الأسماع - الأبصار"
عند حديثه عن الكافرين فِي أساليب متنوعة . ومواضع مختلفة تفيد في
جملتها: أن وجود هذه الوسائل لانعدام أثرها النافع فيهم كعدم وجودها.
وكثرت فِي هذه الأساليب استعارة"ختم"للدلالة على هذا المعنى.
قال فِي الجاثية: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) .