فلما اجتمع نمرود وقومه، لإحراق إبراهيم، حبسوه في بيت، وبنوا بنيانًا كالحظيرة بقرية يقال لها"كُوشْى"- بضم الكاف، قريةٌ بالعراق -: ثم جمعوا له أصلاب الحطب، وأصناف الخشب مدة شهر، حتى كان الرجل يمرض، فيقول: لئن عوفيت لأجمعن حطبًا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب: لئن أصابته، لتحطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها، احتسابًا في دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب من ماله لإبراهيم، فلما جمعوا ما أرادوا، وأشعلوا في كل ناحية من الحطب نارًا، فاشتعلت النار واشتدت، حتى أن الطير ليمر بها فيحترق، من شدة وهجها وحرها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقونه، فقيل: إن إبليس جاء وعلمهم عمل المنجنيق، فعملوه، ثم عادوا إلى إبراهيم فقيدوه، ورفعوه على رأس البنيان، ووضعوه في المنجنيق مقيدًا مغلولًا، فصاحت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة، وجميع الخلق: إلّا الثقلين صيحة واحدة: أي: ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار، وليس في أرضك أحد يعبدك غيره، فائذن لنا في نصرته، فقال الله تعالى: إنه خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بأحد منكم، أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به، وأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خازن المياه وقال: إن أردت، أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء، وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، حسبي الله ونعم الوكيل.
وروى عن أبي بن كعب: أن إبراهيم، قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، قال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي.