تنبيه: هذه العندية للشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة ، فكأنه تعالى قال: الملائكة مع كمال شرفهم وعلو مراتبهم ، ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن عبادته ، فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته {و} مع ذلك أيضاً {لا يستحسرون} أي: لا يعيون ، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيهاً على أن عبادتهم من ثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون ، ولا يطلبون أن ينقطعوا عنها ، فأنتج ذلك قوله تعالى:
{يسبحون} أي: ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال {الليل والنهار} أي: جميع آنائهما دائماً {لا يفترون} أي: عن ذلك وقتاً من الأوقات ، فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل ، ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد ، فلم يفعلوا كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم بالتوبيخ والتهكم والتعنيف ، فقال تعالى:
{أم اتخذوا} أي: بل اتخذوا ، فأم بمعنى بل للانتقال والهمزة لإنكار اتخاذهم {آلهة من الأرض} ومعنى نسبتها إلى الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض ؛ لأن الآلهة على ضربين ؛ أرضية وسماوية ، ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم"أين ربك؟ فأشارت إلى السماء ، فقال: إنها مؤمنة"؛ لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثبات أن السماء مكان الله تعالى ، ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ؛ لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض {هم ينشرون} أي: يحيون الموتى لا يقدرون على ذلك ، وهم وإن لم يصرّحوا بذلك لزم من ادعائهم لها آلهة أنهم يقدرون على ذلك ، فإنّ من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات ، فالمراد به تجهيلهم والتهكم بهم ، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانتشار بهم ، ثم إنه سبحانه وتعالى أقام البرهان القطعي على نفي إله غيره ببرهان التمانع ، وهو أشدّ برهان لأهل الكلام ، فقال: