ثم أبدل {الذين ظَلَمُواْ} من واو {وأسروا} إيذاناً بأنهم الموسومون بالظلم فيما أسروا به ، أو جاء على لغة من قال"أكلوني البراغيث"، أو هو مجرور المحل لكونه صفة أو بدلاً من الناس ، أو هو منصوب المحل على الذم ، أو هو مبتدأ خبره {أسروا النجوى} فقدم عليه أي والذين ظلموا أسروا النجوى {هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} هذا الكلام كله في محل النصب بدل من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويجوز أن يتعلق ب"قالوا"مضمراً والمعنى أنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا ملكاً وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة فهو ساحر ومعجزته سحر ، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر {قَالَ رَبّى} حمزة وعلي وحفص أي قال محمد وغيرهم {قل ربي} أي قل يا محمد للذين أسروا النجوى {يَعْلَمُ القول فِى السماء والأرض} أي يعلم قول كل قائل هو في السماء أو الأرض سراً كان أو جهراً {وَهُوَ السميع} لأقوالهم {العليم} بما في ضمائرهم.
{بَلْ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام رآها في نومه فتوهمها وحياً من الله إليه ، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده ، ثم إلى أنه قول شاعر وهكذا الباطل لجلج والمبطل رجاع غير ثابت على قول واحد ، ثم قالوا إن كان صادقاً في دعواه وليس الأمر كما يظن {فليأتنا بآية} بمعجزة {كَمَا أُرْسِلَ الأولون} كما أرسل من قبله باليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى ، وصحة التشبيه في قوله كما {أرسل الأولون} من حيث إنه في معنى كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات ، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك"أرسل محمد"وبين قولك"أتى بالمعجزة"فرد الله عليهم قولهم بقوله.