فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 293312 من 466147

كما ذكرت ، ولكنهم بادّعائهم لها الإلهية ، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار ، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور ، والإنشار من جملة المقدورات. وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل ، وإشعار بأنّ ما استبعدوه من اللّه لا يصح استبعاده ، لأنّ الإلهية لما صحت صحّ معها الاقتدار على الإبداء والإعادة. ونحو قوله مِنَ الْأَرْضِ قولك: فلان من مكة أو من المدينة ، تريد: مكي أو مدنى. ومعنى نسبتها إلى الأرض: الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض: لأنّ الآلهة على ضربين: أرضية وسماوية. ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «أين ربك» ؟ فأشارت إلى السماء ، فقال إنها مؤمنة «1» لأنه فهم منها أنّ مرادها نفى الآلهة الأرضية التي هي الأصنام ، لا إثبات السماء مكانا للّه عزّ وجلّ. ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ، لأنها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة ، أو تعمل من بعض جواهر الأرض. فإن قلت: لا بدّ من نكتة في قوله هُمْ «2» قلت: النكتة فيه إفادة معنى الخصوصية ، كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم. وقرأ الحسن يُنْشِرُونَ وهما لغتان: أنشر اللّه الموتى ، ونشرها. وصفت آلهة بإلا كما توصف بغير ، لو قيل آلهة غير اللّه.

(1) . أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث معاوية بن الحكم السلمي.

(2) . عاد كلامه. قال محمود: «إن قلت لا بد لقوله هُمْ من فائدة ، وإلا فالكلام مستقل بدونها ... الخ» قال أحمد: وفي هذه النكتة نظر ، لأن آلات الحصر مفقودة ، وليس ذلك من قبيل: صديقي زيد ، فان المبتدأ في الآية أخص شيء لأنه ضمير. وأيضا فلا ينبغي على ذلك إلزامهم حصر الألوهية فيهم ، وتخصيص الانشار بهم ، ونفيه عن اللّه تعالى ، إذ هذا لا يناسب السياق ، فإنه قال عقبها: لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا. ومعناه: لو كان فيهما إله غير اللّه شريكا للّه لفسدتا ، وكان مقتضى ما قال الزمخشري أن يقال: لو لم يكن فيهما آلهة إلا الأصنام لفسدتا. وأما والمتلوّ على خلاف ذلك ، فلا وجه لما قال الزمخشري. وعندي أنه يحتمل واللّه أعلم أن تكون فائدة قوله هُمْ الإيذان بأنهم لم يدعوا لها الانشار ، وأن قوله هُمْ يُنْشِرُونَ استئناف إلزام لهم ، وكأنه قال: اتخذوا آلهة مع اللّه عز وجل فهم إذن يحيون الموتى ضرورة كونهم آلهة ، ثم لما انتظم من دعواهم الألوهية للأصنام وإلزامهم على ذلك أن يصفوهم بالقدرة الكاملة على إحياء الموتى ، نظم في إبطال هذه الدعوى وما ألزمهم عليها دليل قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا وأزيد هذا التقرير وضوحا فأقول: إن دليل التمانع المغترف من بحر هذه الآية ، المقتبس من نورها ، يورده المتكلمون على صورة التقسيم ، فيقولون: لو وجد مع اللّه إله آخر ، وربما قالوا: لو فرضنا وجود إلهين ، فاما أن يكونا جميعا موصوفين بصفات الكمال اللاتي يندرج فيها القدرة على إحياء الموتى وإنشارهم وغير ذلك من الممكنات ، أو لا يتصف بها واحد منهما أو أحدهما دون الآخر ، ثم يحيلون جميع الأقسام وهو المسمى برهان الخلف. وأدق الأقسام إبطالا قسم اتصافهما جميعا بصفات الكمال ، وما عداه فببادئ الرأي يبطل.

فانظر كيف اختار له تعالى إبطال هذا القسم الخفي البطلان ، فأوضح فساده في أخصر أسلوب وأوجزه ، وأبلغ بديع الكلام ومعجزه. وإنما ينتظم هذا على أن يكون المقصد من قوله هُمْ يُنْشِرُونَ إلزامهم ادعاء صفات الألوهية لآلهتهم ، حتى يتحرى أنهم اختاروا القسم الذي أبطله اللّه تعالى ، ووكل إبطال ما عداه من الأقسام إلى ما ركبه في عباده من العقول ، وكل خطب بعد بطلان هذا القسم جلل ، واللّه الموفق. فتأمل هذا الفصل بعين الانصاف. تجده أنفس الانصاف ، واللّه المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت