قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (لتحصنكم) بالتاء أراد الصنعة ، علمناه صَنْعَةَ
لبوس لكُم لتُحصنكم .
ويجوز أن يكون اللبوس معناه: الدُّروع ، وهي مؤنثة .
وَمَنْ قَرَأَ (ليُحصنكم) فله وجهان:
أحدهمما: ليُحصنكم الله .
والوجه الثاني: ليُحصنكم اللبوس ، ذَكَّرَه للفظه .
وَمَنْ قَرَأَ (لنُحصنكم) فالله يقول: نحن ، أي: لنقيكم به بأس السلاح .
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ(87)
قرأ يعقوب وحده (فَظَنَّ أَنْ لَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بياء مضمومة ،
وقرأ الباقون (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) بالنون
قال أبو منصور: القراءة بالنون والتخفيف ، وله معنيان:
أحدهما: فظن يونس أن لن نقدر عليه ما قدَّرنا من التقام الحوت إياه ، وحبسه في بطنه ،
يقال: قدَرَ ، وقدَّر بمعنى واحد ومنه قول أبي صخر الهذلي:
فَلَيْسَتْ عَشيات اللّوى بِرَوَاجِع ... لنا أبدًا مَا أوْرَقَ السَّلَمُ النَّضرُ
وَلاَ عَائِدًا ذَاكَ الزَّمَانُ الذي مَضَى ... تَبَارَكْتَ مَا تَقْدِّرُ يَقَعْ ولَكَ الشُكرُ
معناه: مَا تُقدِر يَقَعُ . وهو كلام فصيح .
ومنه قول الله جلَّ وعزَّ (فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القَادِرُونَ) أي: فنعم المقدرون .
والمعنى الثاني في قوله: (فظن أن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ)
فظن أن لن نُضيِّق عليه ، ومنه قوله: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) ،
أي: يُضَيِّق على من يَشَاءُ ، ويُوسغ على من يشاء .
فهذان وجهان عربيان ، ولا يجوز أن يكون معنى قوله:
(فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) من القدرة ؛ لأنه لا يجوز في صفة نبي من الأنبياء أن
يظن هذا الظن.
وَمَنْ قَرَأَ (فَظَنَّ أَنْ لَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) فإنه جائز أن يفسر بالمعنيين اللَذين ذكرتهما ، إلا أن القراءة المختارة ما اجتمع عليه قراء الأمصار .