قول سليمان: غير هذا كان أوفق، دليل على جواز مشاركة النبيّ والإمام في الاجتهاد؛ لقوله تعالى: {وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران:159] . وقول داود: عزمت عليك، دليل على وجوب طلب الأحسن ما أمكن، ولهذا رجع أبو حنيفة من قول إلى قول. وفي قضائه بقضاء سليمان دليل على أنّه كان على سبيل الفتوى، ولم يبرم قضاءه، أو كان من شريعته فسخ الاجتهاد، أو أوحى الله أنّ الحقّ ما قاله سليمان، فصار فسخ الاجتهاد بالنصّ.
والحكم في شريعتنا على ما روى أبو هريرة، عنه عليه السّلام: «العجماء جبار، والمعدن جبار» ، وفي بعض الروايات: «جرح العجماء جبار» ، فيستعمل الخبرين العامّ على عمومه، والخاصّ على خصوصه.
{وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً:} دليل على حسن حكم داود، وإن كان حكم سليمان أحسن منه، وإنّ أقاويل المجتهدين كلّها دين لله تعالى.
{وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ} وَالطَّيْرَ: لمحاومة داود كان خلاف العددة
متميزا لأولي الألباب بإذن الله.
80 - {صَنْعَةَ لَبُوسٍ:} ما يلبس كالرّكوب ما يركب، والسّحور ما يتسحّر به، يعني:
الدّرع من الحديد.
81 - {وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً:} كانت ريحه عليه السّلام تجري مرّة رخاء، ومرّة عاصفة على مقدار المراد من مصلحة الحال، وذكروا في قوله: {غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ} [سبأ:12] كان يقيل باصطخر فارس، ثم يروح إلى كابل، ثم يرجع إلى بلاده، قالوا: وكان والي خراسان يومئذ كسرى بن سياوش بن (223 و) كيقابوس تزحزح لسليمان عن ممالك العراق وفارس حتى انتهى إلى بلخ، فنزلها، ثم غاب غيبته، واستخلف لهراسف. وروي: أنّ سليمان عليه السّلام حجّ على سريره تحمله الريح.
82 - {وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ:} إلى قعر الماء لاستخراج اللؤلؤ والياقوت ونحوهما.
{وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ:} من المحاريب والتماثيل والطواحين والحمّامات، وقد عملوا السيوف المعجونة السليمانيّة، وبنوا له تدمر بالشام.
{وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ} أي: حابسين في طاعته وسلطانه، أو عاصمين من عاجل العقوبة والهلاك. ويحتمل: أنّ الضمير عائد إلى داود وسليمان وأوليائهما.