نظم هذه السورة من ناحية بنائه اللفظي وإيقاعه الموسيقي هو نظم التقرير , الذي يتناسق مع موضوعها , ومع جو السياق في عرض هذا الموضوع . . يبدو هذا واضحا بموازنته بنظم سورتي مريم وطه مثلا . فهناك الإيقاع الرخي الذي يناسب جوهما . وهنا الإيقاع المستقر الذي يناسب موضوع السورة وجوها . .
ويزيد هذا وضوحا بموازنة نظم قصة إبراهيم - عليه السلام - في مريم ونظمها هنا . وكذلك بالتأمل في الحلقة التي أخذت منها هنا الحلقة التي أخذت منها هناك . ففي سورة مريم أخذت حلقة الحوار الرخي بين إبراهيم وأبيه . أما هنا فجاءت حلقة تحطيم الأصنام , وإلقاء إبراهيم في النار . ليتم التناسق في الموضوع والجو والنظم والإيقاع .
والسياق في هذه السورة يمضي في أشواط أربعة:
الأول:ويبدأ بمطلع قوي الضربات , يهز القلوب هزا , وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق , وهي عنه غافلة لاهية: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ... الخ.
ثم يهزها هزة أخرى بمشهد من مصارع الغابرين , الذين كانوا عن آيات ربهم غافلين , فعاشوا سادرين في الغي ظالمين: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين . فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون . لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون . قالوا:يا ويلنا ! إنا كنا ظالمين . فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين) . .
ثم يربط بين الحق والجد في الدعوة , والحق والجد في نظام الكون . وبين عقيدة التوحيد ونواميس الوجود . وبين وحدة الخالق المدبر ووحدة الرسالة والعقيدة . ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها على النحو الذي أسلفناه .