ولا يذكر السياق هنا ما كان بعد مواجهة الإيمان للطغيان في موقف السحرة مع فرعون. ولا كيف تصرف معهم بعدما اعتصموا بإيمانهم مستقبلين التهديد والوعيد بقلب المؤمن المتعلق بربه ، المستهين بحياة الأرض وما فيها ومن فيها. إنما يعقب بهذا المشهد. مشهد الانتصار الكامل ليتصل النصر القلبي بالنصر الواقعي. وتتجلى رعاية الله لعباده المؤمنين كاملة حاسمة.. ولنفس الغرض لا يطيل هنا في مشهد الخروج والوقوف أمام البحر كما يطيل في سور أخرى بل يبادر بعرض مشهد النصر بلا مقدمات كثيرة. لأن مقدماته كانت في الضمائر والقلوب.
وإن هو إلا الإيحاء لموسى أن يخرج بعباد الله بني إسرائيل ليلاً. فضرب لهم طريقاً في البحر يبساً بدون تفصيل ولا تطويل فنعرضه نحن كذلك كما جاء مطمئناً إلى أن عناية الله ترعاهم فلا يخاف أن يدركه فرعون وجنوده ، ولا يخشى من البحر الذي اتخذ له طريقاً يابساً فيه! ويد القدرة التي أجرت الماء وفق الناموس الذي أرادته قادرة على أن تكشفه بعض الوقت عن طريق يابس فيه!
{فأَتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم. وأضل فرعون قومه وما هدى} ..
هكذا يجمل السياق كذلك ما غشي فرعون وقومه ، ولا يفصله ، ليبقى وقعه في النفس شاملاً مهولاً ؛ لا يحدده التفصيل ، وقاد فرعون قومه إلى الضلال في الحياة كما قادهم إلى الضلال والبحر.
وكلاهما ضلال يؤدي إلى البوار..
ولا نتعرض نحن لتفصيلات ما حدث في هذا الموضع ، كي نتابع السياق في حكمة الإجمال. إنما نقف أمام العبرة التي يتركها المشهد ونتسمع لإيقاعه في القلوب..