في قوله تعالى"وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى"إلى آخر ما أجاب به موسى صلوات اللّه عليه من الأجوبة الأربعة فن طريف لم يرد ذكره حتى الآن وهو فن التلفيف ، وحدّه إخراج الكلم مخرج التعليم بحكم أو أدب لم يرد المتكلم ذكره وإنما قصد ذكر حكم خاص داخل في عموم الحكم المذكور الذي صرح بتعليمه. وهذا التعريف المطول نعتقد أنه يحتاج إلى بيان وهو أن يسأل السائل عن حكم هو نوع من أنواع جنس تدعو الحاجة إلى بيانها كلها أو أكثرها فيعدل المسئول عن الجواب الخاص عما سئل عنه من تبيين ذلك النوع ويجيب بجواب عام يتضمن الإبانة على الحكم المسئول عنه وعن غيره بدعاء الحاجة إلى بيانه فقول موسى جوابا عن سؤال اللّه تعالى له"هِيَ عَصايَ"هو الجواب الحقيقي للسؤال ثم قال:"أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى"فأجاب عن سؤال مقدر كأنه توهم أن يقال له: وما تفعل بها؟ فقال معددا منافعها ولم يقع ذلك من موسى عليه السلام إلا لأمور ثلاثة:
آ - بغية الشكر للّه تعالى الذي رزقه تلك العصا التي وجد فيها من المآرب ما لا يوجد في مثلها.
ب - ان المقام مقام خطاب الحبيب وهو يقتضي البسط والإسهاب.
ح - تعظيم مساءلة ربه له عن منافعها فابتدأه بالجواب عن السؤال المقدر قبل وقوعه أدبا مع ربه.
والواقع أن السؤال إذا كان واردا على شيء ظاهر فذلك السؤال إنما يتوجه إلى أمر يتعلق به بحسب مقتضى الحال وإلا كان عبثا لظهوره
كما إذا سألت شخصا عن لبس ثياب السفر بقولك: ما هذا الثوب؟
فإنك لا تسأل عن نفس الثوب وما هيته بل إنما سألت عن سبب لبسه فكأنك قلت: ما سبب عزيمتك؟ فجواب اللابس حينئذ أن يقول: