ويشهد لذلك: تصديره كلامه بالقسم فَلَنَأْتِيَنَّكَ .. وتركه لموسى اختيار الموعد الذي يناسبه فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً واشتراطه عدم الخلف في الوعد لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ واقتراحه أن يكون مكان المبارزة في وسط المدينة، حتى يراها جميع الناس مَكاناً سُوىً.
ولقد حكى القرآن أن موسى - عليه السلام - قد قبل تحدى فرعون، ورد عليه يقول:
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى.
والمراد بيوم الزينة: يوم كانوا يتزينون فيه، ويجتمعون فيه، لأنه يوم عيد لهم.
قيل إنه كان يوم عاشوراء، وقيل يوم النيروز ...
أي: قال موسى لفرعون: موعد المنازلة بيني وبينكم هو يوم زينتكم وعيدكم، وفي هذا اليوم أطلب منكم أن يجمع الناس جميعا في وقت الضحى عند ارتفاع الشمس، لكي يشهدوا ما سيكون بيني وبين سحرتك يا فرعون.
وبذلك نرى أن موسى - عليه السلام - قد قابل تهديد فرعون له، بتهديد أشد وأعظم، فقد طلب منه أن يكون موعد المبارزة يوم العيد، كما طلب منه - أيضا - أن يجمع الناس في وقت الضحى لكي يشاهدوا تلك المباراة.
قال صاحب الكشاف: وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم، ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكل حد المبطلين وأشياعهم، ويكثر الحديث بذلك في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع. أهل الوبر والمدر.
ثم حكى القرآن ما كان من فرعون بعد أن حدد موسى - عليه السلام - موعد المبارزة فقال: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى.
أي: وبعد أن استمع فرعون إلى موسى، انصرف من المجلس، وولى مدبرا فَجَمَعَ كَيْدَهُ.
أي: فجمع كبار سحرته من أطراف مملكته ثُمَّ أَتى بهم في الموعد المحدد، ليتحدى موسى - عليه السلام - .
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من المحاورات التي دارت بين موسى وفرعون، وأرتنا كيف واجه موسى طغيان فرعون وغروره، برباطة جأش، وقوة إرادة، ومضاء عزيمة ..