وقال بعض أهل الحقائق: إنما كان السبب أن موسى عليه السلام لما التقى بالسحرة وقال لهم: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} [طه: 61] التفت فإذا جبريل على يمينه فقال له يا موسى تَرفَّق بأولياء الله.
فقال موسى: يا جبريل هؤلاء سحرة جاؤوا بسحر عظيم ليبطلوا المعجزة، وينصروا دين فرعون، ويردّوا دين الله، تقول: تَرفَّق بأولياء الله! فقال جبريل: هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك، وبعد صلاة العصر في الجنة.
فلما قال له ذلك، أُوجس في نفس موسى، وخَطَر أن ما يُدريني ما عِلْم الله فيّ، فلعلّي أكون الآن في حالة، وعِلْم الله فيّ على خلافها كما كان هؤلاء.
فلمّا علم الله ما في قلبه أوحى الله إليه {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى} أي الغالب لهم في الدنيا، وفي الدرجات العلا في الجنة؛ للنبوّة والاصطفاء الذي آتاك الله به.
وأصل"خِيفة"خِوْفة فَانقلبت الواو ياء لانكسار الخاء.
قوله تعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صنعوا} ولم يقل وألق عصاك، فجائز أن تكون تصغيراً لها؛ أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيّهم، وألق العُوَيد الفَرْد الصغير الجِرْم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يتلقّفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها.
وجائز أن يكون تعظيماً لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها؛ فألقه يتلقّفها بإذن الله ويمحقها.
و"تَلَقَّفْ"بالجزم جواب الأمر؛ كأنه قال: إن تلقه تتلقّف؛ أي تأخذ وتبتلع.
وقرأ السُّلَميّ وحفص"تَلْقَفْ"ساكنة اللام من لَقِف يَلْقَف لَقْفَا.
وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة الشامي ويحيى بن الحرث"تَلْقَفُ"بحذف التاء ورفع الفاء، على معنى فإنها تتلقف.
والخطاب لموسى.
وقيل: للعصا.
واللقْف الأخذ بسرعة.