وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم.
قلت: وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص به هذه الأمة؛ لحديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله تعالى أعطى أمتي ثلاثاً لم تعط أحداً قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة"الحديث؛ ذكره الترمذي الحكيم؛ وقد مضى في الفاتحة بسنده.
وقد مضى الكلام في معنى قوله:"سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي".
وارتفع السلام بالابتداء، وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة.
قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} : الحفي المبالغ في البرّ والإلطاف؛ يقال: حَفِي به وتَحفَّى إذا بَرَّه.
وقال الكسائي يقال: حَفِي بي حِفَاوة وحِفْوة.
وقال الفراء: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي عالماً لطيفاً يجيبني إذا دعوته.
قوله تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ} : العزلة المفارقة وقد تقدّم في"الكهف"بيانها.
وقوله: {عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} قيل: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلاً وولداً يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه.
ولهذا قال: {فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي آنسنا وحشته بولد؛ عن ابن عباس وغيره.
وقيل:"عسى"يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في المستقبل.
وقيل: دعا لأبيه بالهداية.
ف"عسى"شك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا؟ والأول أظهر.
وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} أي أثنينا عليهم ثناء حسناً؛ لأن جميع الملل تحسن الثناء عليهم.
واللسان يذكر ويؤنث؛ وقد تقدّم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 11 صـ}