وبيانًا لسنة التدريج؛ نجد أن إبراهيم بدأ بأبيه وقومه ودعاهم بالحجة واللين، ثم بالتهديد، ثم تكسير الأصنام، ثم تحمُّل الأذى والاضطهاد في سبيل الله عز وجل، ثم في النهاية كان قرار الهجرة وترك موطن الكفر وأرض الباطل؛ للبحث عن منطلق جديد للدعوة، وبداية مرحلة جديدة.
3 -دعوة أهل حرَّان بالشام ومناظرة عبدة الكواكب:
إن الهدف من التدرُّج هو حصول اليقين، أو الانتقال من الشك إلى اليقين، واليقين علمٌ يحصل بعد زوال الشبهة؛ بسبب التأمل وكثرة الدلائل وتنوُّعها وتدرجها، وإبراهيم عليه السلام آتاه الله الحُجة على قومه، قال تعالى:"وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ" [الأنعام: 83] .
يقول الرازي:
"إن العبد كلما كان تدبُّره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر، كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى، إلا أن الفرق بين شمس العلم وبين شمس العالَم، أن شمس العالَم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حدٌّ معين لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود، وأما شمس المعرفة والتوحيد، فلا نهاية لتصاعدها، ولا غاية لازديادها، فقوله تعالى:"وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ" [الأنعام: 75] ، إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات، وقوله تعالى:"وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ"إشارة إلى درجات أنوار التجلي وشروق شمس المعرفة والتوحيد" [13] .