ولتقف الدنيا كلها للداعية بالكيد والمكر؛ مكر الليل والنهار، لكن الله معه ولن يخذُلَه، ولن يضيعه، صدر الأمر الإلهي للنار، إن النار تحرق ولكنها في هذه اللحظة لن تحرق، وإن النار تحرق كل شيء، ولكنها لن تحرق إبراهيم الأُمَّة،"قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ" [الأنبياء: 69] .
يقول القرطبي - رحمه الله تعالى:
"وهذه عادة الجبابرة، فإنهم إذا عُورضوا بشيء، وعجزوا عن الحجة، اشتغلوا بالعقوبة" [8] .
وحدَث ما لم يكونوا يحتسبون، ورأَوا آية عظيمة، ومعجزة محيرة، ولكنهم لم يؤمنوا، ولم تهتز قلوبهم، وبعدها قرَّر إبراهيم عليه السلام الهجرة، لقد أصر القوم على الكفر والعداء، فما فائدة البقاء؟!
2 -مناظرة إبراهيم عليه السلام مع النمرود:
والنمرود هذا رجل آتاه الله المُلْك، والمُلك غالبًا ما يُطغِي الإنسان ويُفسِد فطرته، ويُنسيه أصله ومادته التي جاء منها، فتكبَّر هذا النمرود وتجبَّر، وادعى لنفسه الربوبية، وأُصِيبَ بلُوثة عقلية، كالتي أصيب بها فرعون الملعون، وتصوَّر أنه ندٌّ للإله الأعظم، وأنه يفعل أفعال الإله الواحد، والحقيقة أنه يتصرَّف كتصرف الصبيان وأفاعيل الأطفال.
يقول - عز وجل:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [البقرة: 258] .
لقد كان الخذلان والخسران حليفَ النمرود الطاغي، فبُهت بهتانًا عظيمًا، ولم يجد له حجة تسعفه، ولا برهانًا يسانده، وشتان بين مَن كان وليُّه الله ومَن كان وليه الشيطان أو هواه.
يقول القرطبي - رحمه الله تعالى: