أُمِرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها ولدها ذلك فتكون آية باهرة {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} أي أتتْ قومها بعد أن طهرت من النفاس تحمل ولدها عيسى على يديها {قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي فلما وابنها أعظموا أمرها واستنكروه وقالوا لها: لقد جئتِ شيئاً عظيماً مُنكراً {ياأخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ} أي يا شبيهة هارون في الصلاح والعبادة ما كان أبوك رجلاً فاجراً {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي وما كانت أمكِ زانية فكيف صدر هذا منك وأنت من بيت طاهر معرفٍ بالصلاح والعبادة؟ قال قتادة: كان هارون رجلاً صالحاً في بني إسرائيل مشهوراً بالصلاح فشبهوها به، وليس بهارون أخي موسى لأن بينهما ما يزيد على ألف عام وقال السهيلي: هارون رجل من عُباد بني إسرائيل المجتهدين كانت مريم تُشبّه به في اجتهادها وليس بهارون أخي موسى بن عمران فإن بينهما دهراً طويلاً {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي لم تجبهم وأشارت إلى عيسى ليكلموه ويسألوه {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً} أي قالوا متعجبين: كيف نكلم طفلاً رضيعاً لا يزال في السرير يغتذي بلبان أمه؟ قال الرازي: روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وكلمهم، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان {قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله} أي قال عيسى في كلامه حين كلمهم: أنا عبدٌ لله خلقني بقدرته من دون أب، قدم ذكر العبودية، ليُبطل قول من ادّعى في الربوبية {آتَانِيَ الكتاب وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} أي قضى ربي أن يؤتيني الإنجيل ويجعلني نبياً، وإنما جاء بلفظ الماضي لإفادته تحققه فإن ما حكم به الله أزلاً لا بدَّ إلا أن يقع {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} أي جعل فيَّ البركة والخير والنفع للعباد حيثما كنت وأينما حللت {وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً} أي أوصاني بالمحافظة على الصلاة والزكاة مدة حياتي {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} أي وجعلني باراً بوالدتي محسناً لها {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} أي ولم يجعلني متعظماً متكبراً على أحد شقياً في حياتي والسلام عَلَيَّ يَوْمَ