ومعنى هاتين الآيتين، كيف تأْتين هذا الأمر العظيم، وقد عُرِفتِ بالصلاح والتقوى كما عُرِفَ بها هارون، وأَبوك لم يكن امرأَ سوء يتصف بِشَرٍّ أو فساد، وما كانت أمك منحرفة فاجرة، بل أنت في ماضيك البعيد والقريب من بيئة لا ينبغي أن تُنْبتَ إِلا الطيبين الطيبات، وفي ذلك إِشارة إلي أَن ارتكاب الفواحش من أَولاد الصالحين أفحش من ارتكابه ممن سواهم وتنبيه على أَن الفروع غالبًا ما تكون زاكية إِذا زكت الأصول، وتكون خبيثة إِذا لم تكن أصولها كذلك.
29 - {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ... } الآية.
أَي فأشارت إِلى عيسى عليه السلام أن كلموه وسلوه عما تريدون، تنفيذًا لما أُمرت به، وحينما فهموا إِشارتها.
{قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} : أي قالُوا منكرين ما فهموه منها حين أشارت إلى عيسى، متعجبين لهذا الأمر، حيث إنه لم يعهد فيما سلف أن صبيا يكلمه عاقل، وهو في فراشه الممهد له وفي سن رضاعه، فكيف نكلم هذا؟ قال السدي لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: لَسخْرِيَتُها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبى أَشد علينا من زناها ..
30 - {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ... } الآية.
هذا كلام مستأْنف، كأنه قيل: فماذا كان بعد إشارتها إليه أَن يكلمهم بعد أن وقع منهم ما وقع من إنكار وتعجب، فكان الجواب: قال عيسي إني عبد الله آتانى الكتاب وجعلني نبيًا، فكان أول ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى، وببروبية الله لعيسى ثم ذكر فضل الله عليه حيث يقول: {آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} أي حكم أزلا بإيتائِى الإنجيل، وإِن لم يكن منزلا إذ ذاك، وحكم كذلك بإيتائى النبوة بمعنى أعَدَّنِي لها، وجعلني ذا قدرة على تحمل أَعبائها.
وفي كل ما قاله تنبيه على براءة أمه، لدلالته على اصطفائه، والله سبحانه أجل من أن يصطفى المطعون في نسبه وذلك من المسلمات عندهم، ففيه من إِجلال أمه بالتلميح ما ليس في التصريح.
31 - {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ .... } الآية.