ولعل الله أرشدها إِليه ليريها آية من آياته، كإثماره بدون سعف ومن غير لقاح وفي وقت لم يعهد فيه وجود ذلك الثمر، تسكينا لروعها، وتطمينًا لنفسها بمثل هذه الخوارق، ولكنها عندما أحست أَنها ستتهم في الإِتيان بهذا المولود بعد أن كانت عندهم عابدة ناسكة، وأنها سوف تصبح فيما يظنون عاصية فاجرة، تمنت الموت كما حكى الله عنها ذلك بقوله:
{قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} : يا ليتنى من قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتى المولود بغير بَعْلٍ، فهي مدفوعة إِلى هذا القول مما شعرت به من أَلم النفس استحياءً من الناس، وخوفا من لائمتهم وحذرا من وقوعهم في المعصية بما يتكلمون في عفتها، فقد توقعت فتنة شديدة بين أَهلها وذويها، وقذفا عنيفا يمس شرف أَصلها، وطهارة أَبيها وأُ
فأَثار ذلك أَحزانها وجعلها بعد تمنى الموت تتمني أَن تُنسى فلا تذكر أَبدا حيث قالت:
{وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} : أَي وكنت شيئًا تافها، يطرح فلا يتألم لفقده لتفاهته وعدم الاهتمام به، والمنسى الذي لا يخطر ببال أَحد من الناس، فذكره بعد. {نَسْيًا} لتأكيد إهمال هذا الشيء، وكأنها تريد كما قال أبو زيد: لم أَكن شيئًا قط، أو كما قال قتادة: شيئًا لا يعرف ولا يذكر ولا يدرى من أَنا ..
24 - {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ... } الآية.
المنادى إما جبريل، وإما عيسى عليهما السَّلام، فعلى الأول يكون المعنى: فناداها جبريل من مكان أَسفل منها في بقعة تنخفض عن البقعة التي كانت عليها، حين فاجأَها المخاض، وقد ذهب إلى أن النداءَ كان من جبريل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وأما على أن المنادي عيسى فقد أنطقه الله حين الولادة، وروى ذلك عن مجاهد ووهب وابن جبير ونقله الطبرسى عن الحسن.
وقرئَ {مِنْ تَحْتِهَا} بفتح الميم وكسرها، وعلى كلتا القراءتين يحتمل أَن يكون المنادي جبريل أو عيسى عليهما السلام كما تقدم.