وهو يبدأ بهذا النداء العلوي ليحيى قبل أن يتحدث عنه بكلمة. لأن مشهد النداء مشهد رائع عظيم ، يدل على مكانة يحيى ، وعلى استجابة الله لزكريا ، في أن يجعل له من ذريته ولياً ، يحسن الخلافة بعده في العقيدة وفي العشيرة. فها هو ذا أول موقف ليحيى هو موقف انتدابه ليحمل الأمانة الكبرى. {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} .. والكتاب هو التوراة كتاب بني إسرائيل من بعد موسى ، وعليه كان يقوم انبياؤهم يعلمون به ويحكمون. وقد ورث يحيى أباه زكريا ، ونودي ليحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم ، لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة..
وبعد النداء يكشف السياق عما زود به يحيى لينهض بالتبعة الكبرى:
{وآتيناه الحكم صبياً. وحناناً من لدنا وزكاة ، وكان تقياً} ..
فهذه هي المؤهلات التي زوده الله بها وأعده وأعانه على احتمال ما كلفه إياه عندما ناداه..
آتاه الحكمة صبياً. فكان فذاً في زاده ، كما كان فذا في اسمه وفي ميلاده. فالحكمة تأتي متأخرة. ولكن يحيى قد زود بها صبياً.
وآتاه الحنان هبة لدنية لا يتكلفه ولا يتعلمه ؛ إنما هو مطبوع عليه ومطبوع به.
والحنان صفة ضرورية للنبي المكلف رعاية القلوب والنفوس ، وتألفها واجتذابها إلى الخير في رفق.
وآتاه الطهارة والعفة ونظافة القلب والطبع ؛ يواجه بها أدران القلوب ودنس النفوس ، فيطهرها ويزكيها.
{وكان تقياً} موصولاً بالله ، متحرجاً معه ، مراقباً له ، يخشاه ويستشعر رقابته عليه في سره ونجواه.
ذلك هو الزاد الذي آتاه الله يحيى في صباه ، ليخلف أباه كما توجه إلى ربه وناداه نداء خفيا. فاستجاب له ربه ووهب له غلاماً زكياً..