يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة {من لدنا} وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا. وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً. وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود. وقيل: بركة كقول عيسى {جعلني مباركاً} وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.
ثم أخبر محمد صلى الله عليه وسلم عن جملة أحواله بقوله: {وكان تقياً} بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط {وبرّاً بوالديه} لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله {ولم يكن جباراً عصياً} وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.
قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض} [القصص: 19] ثم إنه سبحانه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: {حياً} مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى {ويوم أبعث حياً} [مريم: 33] وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول. والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً. قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب. قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 4 صـ 467 - 474}