وأصل الإشارة أن تعود إلى ذات مشاهدة معينة إلا أن العرب قد يخرجون بها عن الأصل فتعود إلى ذات مستحضرة من الكلام بعد أن يذكر من صفاتها وأحوالها ما ينزلها منزلة الحاضر فِي ذهن المتكلم والسامع ، فإن السامع إذا وعَى تلك الصفات وكانت مهمة أو غريبة فِي خير أو ضده صار الموصوف بها كالمشاهد ، فالمتكلم يبني على ذلك فيشير إليه كالحاضر المشاهد ، فيؤتى بتلك الإشارة إلى أنه لا أوضح فِي تشخصه ، ولا أغنى فِي مشاهدته من تعرف تلك الصفات ، فتكفي الإشارة إليها ، هذا أصل الاستعمال فِي إيراد الإشارة بعد ذكر صفات مع عدم حضور المشار إليه.
ثم إنهم قد يتُبِعون اسمَ الإشارة الوارد بعد تلك الأوصاف بأحكام فيدل ذلك على أن منشأ تلك الأحكام هو تلك الصفات المتقدمة على اسم الإشارة ، لأنها لما كانت هي طريق الاستحضار كانت الإشارة لأهل تلك الصفات قائمة مقام الذوات المشار إليها ، فكما أن الأحكام الواردة بعد أسماء الذوات تفيد أنها ثابتة للمسميات فكذلك الأحكام الواردة بعد ما هو للصفات تفيد أنها ثبتت للصفات ، فكقوله: {أولئك على هدى من ربهم} بمنزلة أن يقول إن تلك الأوصاف هي سبب تمكنهم من هدي ربهم إياهم.
ونظيره قول حاتم الطائي:
ولله صُعْلُوكٌ يساوِر هَمَّه...
ويَمضى على الأحداث والدَّهرِ مُقْدِماً
فَتَى طَلَبات لا يَرى الخَمص تُرْحة...
ولا شُبْعَةً إِنْ نالها عَدَّ مغنَماً
إلى أن قال:
فذلك إن يَهْلِكْ فحُسْنى ثَناؤه...
وإن عاش لم يقْعُد ضعيفاً مذمماً
فقوله: {أولئك على هدى} جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن السامع إذا سمع ما تقدم من صفات الثناء عليهم ترقب فائدة تلك الأوصاف ، واسم الإشارة هنا حل محل ذكر ضميرهم والإشارة أحسن منه وقعاً لأنها تتضمن جميع أوصافهم المتقدمة فقد حققه التفتزاني فِي باب الفصل والوصل من الشرح المطول أن الاستئناف بذكر اسم الإشارة أبلغ من الاستئناف الذي يكون بإعادة اسم المستأنف عنه.