من ذلك قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى: 40) فالمراد بالسيئة الثانية {سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الجزاء والقصاص الذي يتسبب عن السيئة الأولى، فهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب على سبيل المجاز المرسل، والمعنى: وجزاء من فعل سيئة أن يجازى عليها، فأطلق على المجازاة سيئة باعتبار أن السيئة سبب والمجازاة مسببة عنها، فأطلق السبب وأراد المسبب. من ذلك قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلين
فالجهل معناه في اللغة السفاهة والحمق، وقد أراد عمرو بن كلثوم بالجهل المسند إليه الصادر منه جزاء المعتدين وعقوبتهم على جهلهم وسفاهتهم، فهو مجاز مرسل حيث عبر بالسبب وأراد المسبب.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد: 31) فقد عبر عز وجل عن المعرفة والعلم بالاختبار الذي هو سبب المعرفة على طريق المجاز المرسل؛ لأن علم الله عز وجل أزلي فهو عليم بكل شيء ، ولا يحتاج في علمه إلى ابتلاء، وعليه فيكون المعنى: ونختبركم حتى نظهر حقيقتكم ونكشفها فيصبح علم الله متعلقًا بالمعلوم الواقع، إذن فهو أطلق الابتلاء وأراد انكشاف حقيقتهم المسببة عن هذا الابتلاء. من ذلك أيضا قول المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
فقد أراد أن يعبر عن شهرة أدبه وذيوع شعره، وبلوغه مبلغا جعل من له علم بالأدب ينظر إليه ويعلمه، ومن لم يسمع شعرًا يسمع كلماته ويدركها، وقد عبر الشاعر بالأعمى والأصم، وأراد من لا معرفة له بالأدب ولا علم عنده بجيده، والعلاقة كما هو معلوم بين المعنيين السببية فإن السمع والبصر من أسباب العلم بالأشياء، وعلى العكس فالعمى والصمم من أسباب الجهل بها والقرينة هي قوله: نظر، وأسمعت كلماتي، فإنه يستحيل أن يسمع الأصم أو يبصر الأعمى شيئا.
إذن فهو أطلق السبب في الإدراك، وهو السمع والبصر وأراد المسبب عنهما وهو ذيوع أدبه وشعره. من ذلك أيضا قول آخر:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر