أما قوله: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين} فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ} أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه ، فعند هذا قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ، إلا أن هذا ضعيف ، لأن إبليس قال في الجواب: {لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال} فقوله: {خَلَقْتَهُ} خطاب الحضور لا خطاب الغيبة ، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة ، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب ، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم ، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصباً عالياً إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام ، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا ، وقوله: {لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} فيه بحثان:
البحث الأول: اللام في قوله: {لأِسْجُدَ} لتأكيد النفي ، ومعناه: لا يصح مني أن أسجد لبشر.
البحث الثاني: معنى هذا الكلام أن كونه بشراً يشعر بكونه جسماً كثيفاً وهو كان روحانياً لطيفاً ، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه.