يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) .
ثم أياس من إيمان من لم يشأ الإيمان منه بقوله: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ
السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) .
(وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ(44) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ...(16) . لما أظهر لهم ما هي
الأفلاك والبروج والكواكب والقمر فيهن، ولما جعلنا له ليعبروا بعقولهم إلى ما
جعلنا شبهًا لها في وجود الدار الآخرة إلى قوله: (مِنْ نَارِ السَّمُومِ(27)
انتظم هذا كله بما هو ردّ عليهم، وأن سؤالهم آية على صدقه فيما جاء به، يقول: قد
كان لهم فيما شاهدوه من خلق السَّمَاوَات والأرض وجريان الأفلاك وتسخير
الشمس والقمر والنجوم وتقسيمهما على ما قسمت عليه من بروج ودراري، لْم
منازل الشمس والقمر، وتدبير الله في ذلك، وحفظ السماء من استراق الشَّيَاطِين، ألا
تدخل في النبوءات ما ليس منها، وتلبس الوحي [....] .
وأنزل الله الماء من السماء واحدًا موحدًا إلى الأرض يفصله إلى ما فصله إليه
من جماد ونبات وحيوان وأناسي، إلى غير ذلك من مخلوقاته، موزون كل ذلك
بأوزان مقسطة ومقادير معدلة، كل جنس من الحيوان والنبات والجماد أمة في نفسه
يؤم بعضها بعضًا في أشكالها وألوانها وأرايحها وطعومها وخُلقها وخَلقها ومنافعها
ومضارها، سنن قد سنت لها، وشرع شرعت لكل جنس منها، يتفاضل كل جنس في
نفسه، فالمفضول مقصور على درجته، والفاضل قد فضله سواه إلى فاضل منها بين
فضله.
وفي هذا كله ما يدل على الوحدانية والربوبية، وصفات الصانع والنبوة والسنة
المشروعة للعباد، وعلى الرسالة وما جاءت به، وعلى فضل إنعامه على عباده
وفضله الشامل المؤمن منهم، والكافر والطائع والعاصي.
يقول جل ذكره: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ...(20) . إشارة إلى موجود
الجنة، (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) سخرها لنا إلى إنفاذ مرادنا وحمل أثقالنا، وأكلنا منها
وشربنا وحمل عنا إرزاقها.