ولقد كان المشركون العرب يتحدون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعجل لهم العذاب.. ومما حكاه الله تعالى عنهم في هذه السورة: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} وورد في غيرها: {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات} كما حكى القرآن الكريم قولهم: {وإذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} وكل هذا يصور حالة العناد التي كانوا يواجهون بها هدى الله.. وقد شاءت حكمته أن يؤجلهم ، فلا يوقع بهم عذاب الاستئصال والهلاك كما أوقعه بالمكذبين قبلهم. فقد علم الله أن كثرتهم ستدخل في هذا الدين ، فيقوم عليها ، وينطلق في الأرض بها. وكان ذلك بعد فتح مكة ، مما كانوا يجهلونه وهم يتحدون في جهالة! غير عالمين بما يريده الله بهم من الخير الحقيقي. لا الخير الذي يستعجلونه استعجالهم بالشر!
والله سبحانه يقول لهم في الآية الأولى: إنه لو عجل لهم بالشر الذي يتحدون باستعجاله ، استعجالهم بالخير الذي يطلبونه.. لو استجاب الله لهم في استعجالهم كله لقضى عليهم ، وعجل بأجلهم! ولكنه يستبقيهم لما أجلهم له.. ثم يحذرهم من هذا الإمهال أن يغفلوا عما رواءه. فالذين لا يرجون لقاءه سيظلون في عمايتهم يتخبطون ، حتى يأتيهم الأجل المرسوم.
وبمناسبة الحديث عن استعجال الشر يعرض صورة بشرية للإنسان عندما يمسه الضر ، تكشف عن التناقض في طبيعة هذا الإنسان الذي يستعجل الشر وهو يشفق من مس الضر ، فإذا كشف عنه عاد إلى ما كان فيه:
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ؛ فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه.
كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون..