ومنهم من أوّل معنى الأمة الواحدة واختلاف الناس بفطرة ارتباط الناس ببعضهم وحياتهم الاجتماعية، فهم من هذه الناحية أمة واحدة.
واختلافهم في مختلف الشئون الدينية وغير الدينية طبيعي تبعا لما بينهم من تفاوت في القوى العقلية والدينية. واستشهد على ذلك بآية سورة البقرة هذه: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) مع أن الاختلاف المذكور في الآية هو الاختلاف في الدين على ما تلهمه روحها.
والذي نرجحه على ضوء آيات سورة الروم والأنبياء والمؤمنون أن الآية هي بسبيل تقرير وحدة الفطرة بالنسبة لجميع البشر، وأن المقصود بالآية هو الملة الدينية حيث يكون المراد من ذلك أن فطرة الاستشعار بوجود الله عز وجل الواحد المدبر الخالق الأزلي الأبدي المحيط بكل شيء المتصرف بكل شيء وبوجوب إسلام النفس إليه هي الأصل في جميع البشر على اختلافهم. وأن ما هم عليه من انحراف عن هذا الأصل هو طارئ نتيجة لاختلاف أهوائهم وماربهم وحوافزهم، وآية سورة البقرة تدعم هذا أكثر مما تدعم الرأي الثالث.
ومن واجب المسلم أن يؤمن بهذه الحقيقة التي يقررها القرآن في الآية التي نحن في صددها وفي الآيات الأخرى التي أوردناها.
على أنه يتبادر لنا في الوقت نفسه أن في الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن موقف الكفار الجحودي الذي حكته الآيات السابقة. فكأنها تريد التنبيه على أن موقفهم هذا ليس بدعا فقد كان ممن قبلهم تجاه رسلهم أيضا. وأن الله قادر على الانتقام منهم لولا أن حكمته اقتضت تأجيل ذلك إلى أجل معين عنده وقد تكرر مثل هذا الأسلوب من التسلية في مواقف مماثلة مرت أمثلة منه.