قوله: (والتدرع بلباس التقوى) تركه أولى؛ إذ الْمُرَاد كما اعترف به في آخر قوله من
لم يصر عَلَى الضلالة وهو مطلق المسلم، إلا أن يقال إن الْمُرَاد بالتَّقْوَى المرتبة الأولى
فيكون عطف تفسير للإسلام لكنه خلاف الظَّاهر والْقَوْل بأنه الاتقاء عن المعاصي بعد
الْإسْلَام طريق موصل عَلَى الاستقامة إلَى الجنة بلا سبق عذاب والابتلاء بالحجاب جيد
حسن لكن يبقى من الموحدين من لم يتق عن المحارم غير معلوم حاله.
قوله: (وفي تعميم الدعوة) أي إلَى كل أحد ممن يشاء هدايته وممن لم يشأ عنايته
(وتَخْصيص الهداية) أي بالْمَعْنَى الذي أوضحناه (بالمشيئة) أي الإرادة؛ إذ المشيئة والإرادة
بمعنى واحد في شأنه تَعَالَى ولذا قال الْمُصَنّف (دليل عَلَى أن الأمر غير الإرادة) ولم يقل
غير المشيئة والأمر مفهوم من قوله: (والله يدعو) لأن الدعاء هُوَ الأمر أو
يكون بالأمر. وفيه رد عَلَى المعتزلة حيث زعموا أن الأمر هُوَ الإرادة.
قوله: (وإن المصر عَلَى الضلالة لم يرد الله رشده) لكنه أمر بالرشد والإيمان فعلم أنه
غيرها والمعتزلة زعموا أنه أراد رشد من أصر عَلَى الضلالة والطغيان ولم يرد كفره وفي
هذا النظم رد عليهم واستوفي الْكَلَام في علم الْكَلَام.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وفي تعميم الدعوة الخ. يعني أنه تَعَالَى عمم الدعوة في قوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)
حَيْثُ حذف مَفْعُول (يدعو) دلالة عَلَى أنه تَعَالَى يدعو الكل وخصص الهداية بالمشيئة لأن
معنى قَوْلُه تَعَالَى: (يَهْدي مَنْ يَشَاءُ) هدايته فالكل مأمور ولا يريد من الكل الابتداء؛ إذ
لو شاء اهتداء الكل كان هاديًا للكل وليس كَذَلكَ ويلزم من ذلك عَلَى المعتزلة شيئان الأول أن الأمر
غير الإرادة، والثاني أن من أصر عَلَى الضلالة لا يريد الله اهتداءه فاضطروا إلَى أن قَالُوا إن الْمُرَاد بالهداية
التوفيق واللطف وقَالُوا غاية ما في الآية أن الأمر مغاير للطف والتوفيق، وهو كَذَلكَ لأن الكافر مأمور
وليس بموفق وإلى أن قَالُوا إن من يشاء اهتداءه هُوَ الذي علم أن اللطف ينفع فيه لأن مشيئته تابعة
للحكمة فلو علم أن لا ينفع فيه اللطف لم يوفقه ولم يلطف به فإن التوفيق لمن علم أنه لا ينفعه عبث
والْحكْمَة منافية للعب فهو يَهْدي من ينفعه اللطف وإن أراد اهتداء الكل وعند المعتزلة أن الله تَعَالَى يريد
اهتداء الكافر ولكن لم يوفقه ولم يلطف به، ومن هذا قال صاحب الكَشَّاف في تفسير (ويهدي من يشاء)
ويوفق مَنْ يَشَاءُ وهم الَّذينَ علم أن اللطف يجدي عليهم لأن مشيئته تابعة لحكمته ومعناه يدعو العباد
كلهم إلَى دار السلام ولا يدخلهم إلا المهديون هذا وأنت تعلم أن جميع ما ارتكبوه خلاف الظَّاهر من
الآية. ويدفع قولهم ذاك أن عندهم يجب عَلَى الله فعل اللطف والتوفيق وما كان واجبًا لا يكون معلقًا
بالمشيئة وهذا معلق بالمشيئة فامتنع حمله عَلَى ما ذكروه. انتهى انتهى {حاشِيَتَا القونوي وابن التمجيد، على تفسير البيضاوي. 9/ 419 - 438} ...