قوله: (فاجاؤوا الفساد فيها) أي سارعوا كلمة إذا فجائية واقعة في جواب لما أو
واقعة في عامل لما إن اعتبر لما ظرفًا محضًا وإذا الفجائية ظرف زمان كما هُوَ مذهب
الزجاج أو ظرف مكان كما اختاره المبرد والعامل فيها معنى المفاجأة. والْمَعْنَى فلما أنجاهم
فاجاؤوا الفساد في الْأَرْض زمان بغيهم أو مكان بغيهم والْمُصَنّف لم يشر إلَى معنى إذا
لظهوره بل اكتفى بتقدير الْمَفْعُول به لـ فاجاؤوا إشَارَة إلَى معنى يبغون لكن الأولى الإفساد
بدل الفساد كما نبه عليه بقوله الآتي فإنها إفساد بحق.
قوله: (وسارعوا إلَى ما كانوا عليه) من الإشراك باللَّه تَعَالَى وعبادة غيره لفساد الفطرة
ولتراجع المعارض والفتنة.
قوله: (مبطلين فيه) إشَارَة إلَى أن بغير الحق حال من ضمير (يبغون) .
قوله: (وهو احتراز) أي ليس هذا للتأكيد بل للاحتراز عن استيلاء الْمُسْلمينَ عَلَى
الْكَافرينَ ولو حمل عَلَى الظلم أو عَلَى الاستيلاء بالظلم لكان تأكيدًا للبغي لكن الْمُصَنّف
حمله عَلَى الاستيلاء مُطْلَقًا وإن غلب في الظلم فيكون بغير الحق احترازًا عن ذلك لتناول
البغي بالْمَعْنَى الْمَذْكُور إياه (عن تخريب الْمُسْلمينَ ديار الْكُفَّار وإحراق زروعهم) كما فعل
رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم ببني قريظة.
قوله: (وقلع أشجارهم) وكمقابلة الظالم المعتدي بفعله فإنه ليس بإفساد لكنه في
صورة إفساد.
قوله: (فإنها إفساد بحق) لتضمنه إصلاحًا كقتل الخضر عَلَيْهِ السَّلَامُ الغلام وخرق
السفينة. والحاصل أن البغي قد يطلق عَلَى ما هُوَ صلاح في نفسه كمقاتلة الظالم المعتدي
الباغي فإنها صلاح ومشروع في نفسه لكنها قد يطلق عليها البغي والاعتداء لكونها في
صورة الاعتداء كما قال تَعَالَى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)
الآية. فيكون البغي عامًا له ويحترز عنه بغير الحق، وأَيْضًا إن البغي شامل لما
يتضمن صلاحًا كالأمثلة الْمَذْكُورة ويحترز عنه أَيْضًا بغير الحق، والْمُصَنّف لم يتعرض
للاحتمال الأول هنا لكنه صرح به في أوائل سورة البقرة ولو قال احتراز عن مثل تخريب
الْمُسْلمينَ لكان أولى وأسلم من إيهام التَّخْصِيص ثم إطلاق الإفساد عَلَى الْمَذْكُور صوري
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: مبطلين جعل محل الجار نصبًا عَلَى الحال تقديره كائنين بغير الحق وهذا مبطلين لكن
الظَّاهر أن التاء في (بغير الحق) متعلقة بـ (يبغون) فعلى هذا لا يكون الجار والمجرور حالًا.
قوله: وهو احتراز الخ. وقيد (بغير الحق) احتراز عَمَّا ذكره فإن النفي بالتخريب إذا كان بحق لا
يكون منهيًا عنه ومهددًا به. أقول: قد حصل الاحتراز بلفظ البغي فإن البغي الظلم كذا في مجمل
اللغة وغيره فيكون ( [بغير] الحق) تأكيدًا من قبيل رأيته بعيني وسمعة بأذني (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ)
فعلى هذا في قوله فإنها إفساد بحق نظر؛ لأنه في معنى فإنها ظلم بحق وليس شيء من الظلم بحق
إذ كل ظلم باطل.