نجد فيه الرد على من يقول إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى الكعبة ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يترك الخلق من آدم إلى إبراهيم دون بيت يحجون إليه ، ولكن الحق سبحانه وضع البيت ؛ ليحج إليه الناس من أول آدم إلى أن تقوم الساعة ، والذي وضع البيت ليس من الناس ، بل شاء وضع البيت خالق الناس ، وما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام هو رفع القواعد من البيت الحرام .
أي: أنه أقام ارتفاع البيت بعد أن عرف مكان البيت طولاً وعرضاً ، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت} [الحج: 26]
وهكذا يَصْدُق قول الحق سبحانه بأن البيت قد وُجد للناس قبل آدم ، وهو الناس إلى أن تقوم الساعة ، وهكذا نعلم أن الحق سبحانه خلق الخلق وأنزل لهم المنهج ، والأصل في الناس هو الإيمان ، لكن الكفر هو الذي طرأ على البشر من بابين: باب الغفلة ، وباب تقليد الآباء .
والدليل على ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلَّم عن ميثاق الذر ، قال:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون} [الأعراف: 172173]
إذن: فالتعصِّي عن الحكم الإيماني مدخله بابان: الأول باب الغفلة ، أي: أن تكون قد عملتَ شيئاً ، ولم تجعله دائماً في بؤرة شعورك ؛ لأن عقلك يستقبل المعلومات ، ويستوعبها من مرة واحدة ، إن لم تكن مُشتَّتَ الفكر في أكثر من أمر ، فإن كنت صافي الفكر ومنتبهاً إلى المعلومة التي تَصِلُكَ ؛ فإن عقلك يستوعبها من مرة واحدة ، ومن المهم أن يكون الذهن خالياً لحظة أن تستقبل المعلومة الجديدة .