لذلك فَهِمَ البعض أن الناس كانوا أمة واحدة في الكفر ، وحين جاء النبيون ، اختلف الناس ؛ لأن منهم من آمن ومنهم من ظل على الكفر ، ولكن لو أحسن الذين قالوا مثل هذا القول الاستنباط وحسن الفهم عن الله لوجدوا أن مقصود الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الآن إنما هو: ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ؛ فبعث الله النبيين ؛ ليخرجوهم عن الخلاف ويعيدوهم إلى الاتفاق على عهد الإيمان الأول الذي شهدوا فيه بربوبية الحق سبحانه وتعالى ؛ لأن الأصل في المسألة هو الإيمان لا الكفر .
ومن أخذ آية سورة البقرة كدليل على كفر الناس أولاً ، نقول له: اقرأ الآية بأكملها ؛ لتجد قوله الحق: {كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ} [البقرة: 213]
وهكذا نرى أن الاختلاف الذي حدث بين الناس جاء في آية البقرة في المؤخرة ، بينما جاء الاختلاف في هذه الآية في المقدمة ، وهذا دليل على أن الناس كانوا أمة واحدة على الإيمان ، فليس هناك أناس أوْلَى من أناس عند الخالق سبحانه وتعالى ، ولم يكن عدل الله ليترك أناساً متخبطين في أمورهم على الكفر ، ويرسل الرسل لأناس آخرين بالهداية ؛ فالناس بالنسبة لله سواء .
وما دام الحق سبحانه قد أوجد الخلق من البشر فلا بد أن يُنزل لهم منهجاً ؛ ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96]