وهذا مما يدخل في معنى قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [التين: 4 6] ، فتعين أن المراد في هذه الآية بكون الناس أمةً واحدة الوحدة في الحق ، وأن المقصود مدح تلك الحالة لأن المقصود من هذه الآية بيان فساد الشرك وإثبات خطأ منتحليه بأن سلفهم الأول لم يكن مثلهم في فساد العقول ، وقد كان للمخاطبين تعظيم لما كان عليه أسلافهم ، ولأن صيغة القصر تؤذن بأن المراد إبطال زعم من يزعم غير ذلك.
ووقوعُه عقب ذكر من يعبدون من دون الله أصناماً لا تضرهم ولا تنفعهم يدل على أنهم المقصود بالإبطال ، فإنهم كانوا يحسبون أن ما هم عليه من الضلال هو دين الحق ، ولذلك صوروا إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام في الكعبة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح"كَذبوا والله إِنْ استقسما بها قَطِ ، وقرأ: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} [آل عمران: 67] "وبهذا الوجه يجعل التعريف في {الناس} للاستغراق.
ويجوز أن يراد بالناس العربُ خاصة بقرينة الخطاب ويكون المراد تذكيرهم بعهد أبيهم إبراهيم عليه السلام إذ كان هو وأبناؤه وذريتهم على الحنيفية والتوحيدِ كما قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَراء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمةً باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: 26 28] ، أي في عقبه من العرب ، فيكون التعريف للعهد.
وجملة: {ولولا كلمة سبقت من ربك} إخبار بأن الحق واحد ، وأن ذلك الاختلاف مذموم ، وأنه لولا أن الله أراد إمهال البشر إلى يوم الجزاء لأراهم وجه الفصل في اختلافهم باستيصال المُبطل وإبقاءِ المحق.
وهذه الكلمة أجملت هنا وأشير إليها في سورة [الشورى: 14] بقوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مُسمى لقضي بينهم} .