وقيل: السواد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره.
وقيل: هي الغبار، عن أبي عبيدة، وأنشد للفرزدق:
284 -مُتَوَّجٌ برداءِ المُلْكِ يتبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوقَهُ الراياتِ والقَتَرَا
فإن قلت: ما الفرق بين الغبرة والغبار؟ قلت: لا فرق كلاهما واحد، أي: لا يغشاها غبار ولا أثر هوان، والذّلة: الهوان.
والمعنى: لا يغشاهم ما يغشى أهل النار من القتر والذلة.
{وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) } :
قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} في (الذين) وجهان:
* أحدهما: رفع بالابتداء، وفيه وجهان:
-أحدهما: في الكلام حذف مضاف تقديره: وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، على معنى: جزاؤهم أن تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها، ثم حذف المضاف.
-والثاني على الظاهر من غير تقدير مضاف، وفي خبره أربعة أوجه:
أحدها (جزاءُ سيئةٍ) وهو مبتدأ، وفي خبره وجهان:
-أحدهما: محذوف، أي: لهم جزاء سيئة مثلها، وإِلباء صلة، فجزاء سيئة مبتدأ، ولهم الخبر، والمبتدأ وخبره خبر قوله: {وَالَّذِينَ} .
-والثاني: {بِمِثْلِهَا} وفي الباء وجهان:
أحدهما: صلة بشهادة قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} .
والثاني: ليست بصلة على معنى: وجزاء سيئة مقدر بمثلها، أي: وجزاء
سيئتهم، ثم حذف المضاف إليه، لا بد من هذا التقدير لأجل الذكر العائد من الجملة إلى المبتدأ الذي هو {وَالَّذِينَ} .
والثاني: {مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} .
والثالث: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ} .
والرابع: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} وما بين المبتدأ وخبره اعتراض.
* والثاني: معطوف على قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} ، كأنه قيل: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وهذا الوجه يمشي على مذهب أبي الحسن؛ لأنه عطف على عاملين وهو يجيزه.